ابن هشام الأنصاري

33

شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب

وفرس ، ألا ترى أجزاء كل منهما - وهي حروفه الثلاثة - إذا انفرد شيء منها لا يدل على شيء مما دلت عليه جملته ، بخلاف قولنا : « غلام زيد » فإنه مركب ، لأن كلّا من جزأيه - وهما غلام ، وزيد - دالّ على جزء المعنى الذي دلت عليه جملة « غلام زيد » « 1 » . والمعنى الثاني : لغويّ ، وهو الجمل المفيدة « 2 » ، قال اللّه تعالى كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [ المؤمنون / 100 ] إشارة إلى قول القائل رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ . [ « كلا » في العربية على ثلاثة أوجه ] و « كلّا » في العربية على ثلاثة أوجه : حرف ردع وزجر « 3 » ، وبمعنى حقّا « 4 » ، وبمعنى إي : فالأول كما في هذه الآية ، أي : انته عن هذه المقالة ، فلا سبيل إلى الرجوع . والثاني نحو : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى [ العلق ، 6 ] ، أي : حقّا ؛ إذ لم يتقدم على

--> ( 1 ) معنى هذا الكلام أن قولنا « غلام زيد » معناه : ذات مملوكة لزيد ، وكل جزء من جزأي هذا القول يدل على جزء من جزأي المعنى ، وذلك لأن معنى « غلام » ذات مملوكة ، ومعنى « زيد » المضاف إليه ذات مالكة ، فكان قولنا « غلام زيد » مركبا لذلك . هذا إذا بقي قولنا « غلام زيد » على أصله ، فإذا أخرجته عن أصله بأن سميت رجلا ما من الرجال بغلام زيد ، وصار هذا القول علما كان من قبيل المفرد مثل « عبد اللّه » العلم ، لأن جزء اللفظ لا يدل على جزء المعنى المراد حينئذ . ( 2 ) يصح أن يكون هذا اللفظ وهو « كلمة » حين تريد به الجمل المفيدة مجازا مرسلا ، وذلك إذا نظرت إلى أن المعنى الأول للكلمة - وهو القول المفرد - جزء من المعنى الثاني - لها - وهو الجمل المفيدة - لأنها تتركب من كلمتين فأكثر . ويصح أن يكون لفظ « كلمة » حين تستعمله في الجملة المفيدة - استعارة تصريحية ، وذلك إذا لاحظت أنك شبهت الجملة المنضم بعض أجزائها إلى بعض انضماما تاما بالمفرد ، ثم حذفت المشبه واستعملت اللفظ الموضوع للمشبه به في المشبه . ( 3 ) أي أن « كلا » حرف يدل على الردع ، وهو طلب المتكلم بهذا اللفظ من مخاطبه الانتهاء والكف عن فعل ، والزجر : وهو طلب الكف وترك الفعل بشدة ، فعطفه على الردع عطف تفسير . ( 4 ) زعم مكي أن كلّا التي تدل على معنى حقا اسم ، كما أن حقا التي بمعناها اسم ، ولا صحة لما ذهب إليه ، لأن كثيرا من الحروف تدل على معنى الاسم أو على معنى الفعل ، ولا تخرج بهذا عن كونها حروفا ، وهذا الكلام يتكرر كثيرا في الاستدلال .